حسن الأمين
88
مستدركات أعيان الشيعة
أديما ( 1 ) ، تنسج بالسندس الأخضر ، وتفتر عن الأقحوان الأحمر ، وألفيت بنيانها هو الذي حمده الله في تنزيله ( 2 ) ، وأحبه لنا أن نكون مثله جهادا في سبيله ، مرصوصا بوقاح الجلمد ، ملاء ما بينه بالشيد الممرد ، قد حصن ظاهره على باطنه عن تداخل الابر ، ومساكن الذر ، يزل عنه ظفر الطائر ، وتتدحرج عليه أحداق ( 3 ) الناظر ، وتغنى به العروس عن الماوي المنير ( 4 ) ، وتستبين به الجفون منابت الشكير من أهدابها والغمير ، متلاقية أقطارها على رجال كأنهم أنسلاء عاد وثاقة أجسام ، وصلابة أحلام ، وبعد مرام ، لطفوا عن بدوية الشام وغلظته ، وجمدوا عن ذوب العراق وخلابته ، قد عقدت ألسنتهم بالصدق فما ينتثر الباطل من عذباتها . وصحت غرائسهم في المودة فما يجتنى الغدر من ثمراتها ، إن سلما فسلما وإن حربا فحربا ، لا يعرفون تدليس الأخلاق ، ولا تمويه النفاق ، وشعراؤهم ( 5 ) ملء اليدين ، وكتابهم أثر بعد عين ، أدبهم ( حسن ) ( 6 ) على قلة الملوكي فيه ، وعلمهم متقن لمن تأمل أدق مسرب ( 7 ) في فتن معانيه ، قد محص تهذيب المحن شرارهم وأوهن خيارهم ، بلدهم أطلال ، وأحوالهم آل ، قويهم يئن ضعفا ، وضعيفهم يماطل حتفا ، بقيت عليهم أسمال النعم وذهب الدهر باجسامها ، وانجلت عنهم ظلل المحن وهم يتاوهون من غير آلامها ، إلا أن فيهم بقية نقية ، وفيهم موضع تدارك إن رزقوا سيرة مرضية ، فلولا ما أرجوه من مداواة أسقامهم ، وإعادة صالح أيامهم ، لقضاني الانتماء بمعايشتهم قبل معاناتهم ، وبملاحظتهم قبل مقاساتهم ، لكني أعلم أن من يحيي العظام وهي رميم ، ويبعث ( 8 ) الروض وهو هشيم ، وينشئ ( . . . ) بعد ما كانت قفارا ، ويجعل من الشجر الأخضر نارا ، قادر على أن يجعل ثواب نيتي فيهم معونتي على ما أنويه لهم ، وجزاء تاملي بهم بلوغ الغرض في تدارك رمقهم . وفي فصل من رسالة له ( 9 ) لو أطقت تفصيل المجمل ، وإيضاح المشكل ، لجرت لك به يدي طلق الجموح ، ولأغنتك أسماره عن الوتر الصدوح ، إلا أن القلب عليل ، والخاطر كليل ، والزمان ببلوغ الأمل بخيل . فصل من رسالة بعث بها إلى ذي السعادتين ( 10 ) للرئاسة كلف لا يستقل بها إلا المهذب الكامل ، ولا يخطو تحت أثقالها إلا الأوحد الفاضل ، ولا يبلغ ذوائب أعاليها ، إلا من شرب الأجاج من ماء واديها ، ولا يلذ بملكها إلا من أغلى المهر من كريم مساعيه ، ولا يفض ختامها إلا من جعل منازلة الخطوب سلكا لعقود أيامه ولياليه ، ولذلك قيل ما أنشدته استبصارا ، وأنا إلى إيراده أبين إصرارا : لا تحسب المجد تمرا أنت آكله لن تبلغ المجد حتى تعلق الصبرا ( 11 ) وإن سياسة الأقوام فاعلم لها صعداء مطلعها طويل ( 12 ) ويظلموا فنرى الألوان مسفرة لا خوف ذل ولكن فضل أحلام ويحتاج الرئيس إلى أعوان يظهر بهم كمين مكارمه ، ويمضي فيهم وبهم ماضي عزائمه ، فلولا الطالب لعاش الكريم مطويا على حسرات أوطاره ، ولولا الخاطئ لما وجد الحليم لذة حلمه ووقاره ، وكلما كان التابع أبعد مذهبا في معناه ، كان المتبوع أشد جذلا بظهور مناقبه وعلاه . وفي فصل : وقد كانت مني كبائر تكنفتها معاذير لا أشين وجه العفو بإيرادها ، ولا أنتقص جملة الصفح والغفران بتعدادها ، في أن لم أفتتح مناسكي بالسعي إلى حضرته ، ولم أبدأ من مطالب شرعي بالتوفر على خدمته ، وقد علم الله أن ذلك ليس من اعتلال بصيرة بشرف الانتماء إليه . ولا انخفاض همة عن سعادة المثول بين يديه ، ولا إمعان في البدوية - وإن كنت من أهلها - حتى أذهل عن مطلع النير الأعظم من الأفق الذي سكنت ظله ، ومفيض الفرات الأعذب من البلد الذي استوطنت محله ، ولا أن ذكره لم يكن في تلك الأوطان زينة الأعياد ، وحلية البلاد ، وأنس الحاضر والبادي ، وبلغة المسافر والحادي ، ولا أني لم أكن ذكي الخاطر بتلاوة ماثر آلائه ، ومستشفيا بنسيم الريح من أرضه وسمائه ، ومعجبا بما جمع الله فيه لعفاة أهل الأدب ، بل السراة أهل الرتب ، ومعنى قول القائل : يأتيك عن فهم الثناء عطاؤه عفوا وتلك عطية المستبصر كرم تكشف عن حلى آدابه كالبحر يكشف غمره عن جوهر كتابه إلى رئيس اعتنق الإسلام ( 13 ) وكان في ذلك الأوان بمدينة ( تكريت ، رئيس ) ( 14 ) ممن يشار إليه ، ويعول قومه عليه ، فرأى في منامه ( 15 ) النبي ع مع علي بن أبي طالب ، وحضاه على الإسلام ، ووجد في الإنجيل ما دله على البشارة بمحمد ع ، فاستدعي إلى الحضرة ببغداد ، وطيف به في سائر البلاد ، فكتب إليه ابن المغربي رقعة قال فيها : ويعلم الله ما ورد علي وعلى كافة من حضر من المسلمين من السرور بما أبان الله ( 16 ) من آية قطعت عذر الجاحدين ، و ( حجة ) ( 17 ) استهلكت شبه
--> ( 1 ) ص : ديما . ( 2 ) يعني أنه بنيان مرصوص يشد بعضه بعضا ( انظر الآية 4 من سورة الصف ) . ( 3 ) ص : أكداه . ( 4 ) الماوي : حجر البلور أو المرآة . ( 5 ) ص : وسفراؤهم . ( 6 ) ليس في موضعها بياض في ص . ( 7 ) ص : متقن من مسربا . ( 8 ) ص : ويبلى ( دون إعجام ) . ( 9 ) الذخيرة 4 : 498 . ( 10 ) ص : ديما . ( 11 ) من أبيات تنسب لرجل من بني أسد ( شرح المضنون : 473 ) . ( 12 ) ورد البيت غير منسوب في اللسان والتاج ( صعد ) ، وأكمة ذات صعداء : يشتد صعودها على الراقي . ( 13 ) الذخيرة 4 : 505 . ( 14 ) بياض في ص ، وزدته من تاريخ المسبحي : 235 ب والرئيس المشار إليه هو أبو مسلم مشرف بن عبيد الله ، وكان يعرف بالمطران الكبير ، رئيس اليعاقبة ، ويذكر المسبحي أن إسلام الرجل تم يوم الخميس السابع من جمادى الأولى سنة سبع ( ) وأربعمائة وأن الوزير المغربي أرسل إليه هذه الرسالة من ميافارقين ، وقد أورد المسبحي جانبا من الرسالة لم يورده ابن بسام ، وانقطع فيها بضياع الأوراق ما أورده صاحب الذخيرة ما عدا سطرين منها . ( 15 ) ص : مناها . ( 16 ) المسبحي : سرورا بما آتى الله جلت قدرته . ( 17 ) زيادة من المسبحي .